مجموعة مؤلفين

93

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الإنسان ، ففيها عمق إدراك لطبائع الأشياء ، وفيها قدرة على التركيب الذي يجمع ما اختلف في ظاهره وما اتفق في باطنه ، يجمعه برابطة واحدة . ومن أمثلة هذه الرموز : أن تكون « الغديرة » - الضفيرة - رمزا للبراهين التي تقام على صحة فكرة بعينها ، لأن هذه البراهين تجرى في مقدمات يتداخل بعضها في بعض كتداخل الجدائل في الغديرة ( وهذا يذكرنا بالناقد الحديث إدموند ولسن حين فسر نسيج بنلوبى في شعر هومر على أنه رمز لخطوات الاستدلال القياسي بما في قضاياه من تداخل وتسلسل ) . ومن هذا القبيل كذلك أن يرمز ابن عربى « بالدمقس » إلى حالة التنزيه لأن الدمقس هو الحرير الذي لم يصطبغ بلون ، فهو إذن في جوهره شبيه بالتنزيه الذي لا تشو به شائبة من رغبة أو شهوة ؛ وأن يرمز بالكائنات المجنحة كالحمامات والطواويس لعالم الروح ، لما بين الاثنين من رابطة جوهرية هي التنقل بين الأرض والسماء ، وعدم التقيد بأغلال الأرض ؛ وأن يرمز بالقباب للامتناهى بسبب شكلها الكروي الذي لا بداية له ولا نهاية . ومن هذا القبيل نفسه أن يرمز إلى الطبيعة الجسدية من الإنسان « بالصخرات » للصوقها بالأرض وعجزها عن الصعود والطيران - والحق أن ديوان ترجمان الأشواق ملىء بهذه الرموز التي ترتكز على أساس الرابطة المعنوية بين الرمز وما يشير إليه ، من أهمها رموز النور والحجب والقفر والبستان ، التي سنفرد لها أقساما لأهميتها عنده . ( و ) رموز الأنوار والحجب ، ولعل هذه أن تكون من أشد رموزه صلة بمذهبه الصوفي في المعرفة : « فالمعرفة الصوفية تتخذ أسماء مختلفة بحسب الأشكال أو المراحل أو الأحوال التي تتحقق فيها في النفس ، وابن عربى يذكر ثلاثة أنواع منها ، متبعا التقسيم التقليدى لدى الصوفية المسلمين ، وهي : المكاشفة والتجلي والمشاهدة . . . ويدخل في تفسيرها الرموز الأفلاطونية والمسيحية للنور والمرآة والحجب » « 1 » .

--> ( 1 ) آسين بلاثيوس ، ابن عربى ، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي ، ص 212 .